تخطيط النبي في حياته


Total Views: 4313


من نماذج التخطيط المستقبلي على العهد النبوي 
لم يكتف الرسـول صلى الله عليه وسلم بتوجيه عناية المسـلمين إلى الاهتمام بالمستقبـل، فيأمرهـم بذلك ويحل لهـم من الإشـكاليات ما قد يبدو أنها تمنع هذا الاهتمام، كعقيدة القدر.. ولم يكتف أيضاً بتهيئة الصحابة نفسـياً للتعـامل مع المستقبل، بعد أن هيأهم فكرياً لذلك... بل أعطى من نفسـه ومن سـيرته الكريمـة أمثـلة حية وتطبيقـات رائعة لهذه المستقبلية الإسلامية. 
ولما كان تتبع ذلك يطول، فقد رأيت أن أركز في هذا الفصل على دراسة فكرة التخطيط النبوي في مستويات ثلاثة: 
- الأسرة، 
- المجتمع، 
- الدولة. 

التخطيط الأسري 
تحتفظ السنة الشريفة بأمثلة كثيرة للتخطيط واعتبار المستقبل داخل الأسرة المسلمة وفي حدودها. وقد اخترت من ذلك نموذجين واضحين في تقرير مبدأ هذا التخطيط وتطبيقه. 
أولاً: مثال العزل: 
- أحاديث العزل: 
هذه واحدة من أهم الطرق القديمة في اجتناب الحمل. وقد كان العرب يعرفونها ويأخذون بها.. ومنهم الصحابة، رضوان الله عليهم، حتى قال جابر، رضي الله عنه: كنا نعزل والقرآن ينـزل. وفي رواية: كنا نعزل على عهد رسول الله، فبلغه ذلك ولم ينهنا( ). ولما تحرج من ذلك بعض الصحابة وخافوا ألا يجوز سـألوا الرسـول صلى الله عليه وسلم فأجابهم: «لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ سَتَكُونُ»( ). 
وأحاديث العزل كثيرة ومشهورة، حتى إن عدداً مهماً من دواوين السنة خصصت لها باباً مستقلاً ضمن كتاب النكاح، وبينها تعارض اجتهد العلماء في رفعه، وقد ذكر ابن القيم بعضها ثم قال: «هذه الأحاديث صريحة في جواز العزل، وقد رويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة»( ). وذكر بعضهم الإمام مالك( ). 
- اختلاف العلماء: 
ورغم أن أحاديث الإباحة أكثر وأقوى، كما قال البيهقي( )، فإن الأخرى صحيحة أيضـاً وظاهرها يمنع العزل. من هنـا نشأ الخلاف. قال أبو حامد: «إن عزل فقد اختلف العلماء في إباحته وكراهته على أربع مذاهب: فمن مبيح مطلقاً بكل حال، ومن محرم بكل حال، ومن قائل يحل برضاها ولا يحل دون رضاها، وكأن هذا القائل يحرم الإيذاء دون العزل. ومن قائل يباح في المملوكة دون الحرة»( ). ثم صحح أن العزل مباح، وفعله من باب ترك الأولى والأفضل فقط، قال: «وإنما قلنا لا كراهة بمعنى التحريم والتنـزيه، لأن إثبات النهـي إنمـا يمكن بنص أو قياس على منصوص، ولا نص ولا أصل يقاس عليه. بل ههنا أصل يقاس عليه، وهو ترك النكاح أصلاً، أو ترك الجماع بعد النكاح، أو ترك الإنـزال بعد الإيلاج، فكل ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب نهي، ولا فرق»( ). وهذا الذي يقوله الغزالي -أعني أن الأصل في العزل الإباحة- هو مذهب الجمهور. 
- العزل تخطيط: 
وإنما كان كذلك لأن الزوجين لا يريدان أن يكون لهما ولد في المستقبل القريب. والنبي صلى الله عليه وسلم أقر هذا التدبير، إذ حين ذكر العزل عنده سأل الصحابة لم يفعلونه فقالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له الأمة ويكره أن تحمل منه( ). وكان لصحابي آخر غاية أخرى من العزل، قال: أشفق على ولدها، أو على أولادها. فقال الرسول، عليه الصلاة والسلام: « لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَاراًّ ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ»( ).


More EPortfolios By جمان رياض علي الشهري


0Comments

Users must be logged in to comment.