1 ـ أنواع الفرقة الزوجية ومقاصدها
تعريف التفريق:
لغة: الفَرْقة: خلاف الـجمع، فَرَقه يَفْرُقُه فَرْقاً، وفَرَّقه، وقـيل: فَرَقَ للصلاح فَرْقاً، وفَرَّق للإِفساد تَفْرِيقاً، وانْفَرَقَ الشيء وتَفَرَّقَ وافْتَرَقَ.
والتَّفَرّقُ والافْتِراقُ سواء، ومنهم من يجعل التَّفَرّق للأَبدان والافْتِراقَ فـي الكلام؛ يقال فَرَقْت بـين الكلامين فافْترقا، وفَرَّقْتُ بـين الرجلـين فَتَفَرَّقا، وقوله تعالى :﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ ﴾(البقرة:50)؛ معناه شققناه. والفِرْقُ: القِسْم، والـجمع أَفْراق.
والفِرْقُ: الفِلْقِ من الشيءِ إِذا انْفَلَقَ منه، ومنه قوله تعالى:﴿ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾(الشعراء:63) أَراد فانْفَرَقَ البحرُ فصار كالـجبال العِظام وصاروا فـي قَرَاره.
والفُرْقة: مصدر الافْتِراق. قال الأَزهري: الفُرْقة اسم يوضع موضع الـمصدر الـحقـيقـي من الافْتِراقِ.
و فَارَقَ الشيءَ مُفارَقةً وفِراقاً: بايَنَهُ، والاسم الفُرْقة. وتَفَارَق القومُ: فَارَقَ بعضهم بعضاً. وفَارَقَ فلان امرأَته مُفَارقةً وفِراقاً: بايَنَها[1].
اصطلاحا :انحلال رابطة الزواج , والفصل والمباينة بين الزوجين , سواء أكانت بطلاق أم بغيره.
أولا: أنواع الفرقة الزوجية
قسم الفقهاء التفريق الحاصل في الحياة إلى نوعين: فسخ وطلاق، ولكل منهما آثاره الخاصة، وسنتحدث عن كلا النوعين فيما يلي:
النوع الأول ـ الطلاق
وهو النوع الأول من أنواع التفريق، ويقصد به عند الإطلاق، وسنتحدث هنا عن تعريفه وحكمه الأصلي وأحكامه العارضة، أما أركانه وشروطه وآثارها فمحلها الفصول القادمة من هذا الجزء وما يليه من أجزاء.
تعريف الطلاق:
لغة: طَلاَقُ الـمرأَة: بـينونتها عن زوجها. وامرأَة طالِق من نسوة طُلَّق وطالِقة من نسوة طَوَالِق؛ ومنه قول الأَعشى:
أَجَارَتنا بِـينـي فَإِنَّك طالقه كذاكِ أُمُور الناس غادٍ وطارِقَه
و طَلَّقَ الرجل امرأَته وطَلَقت هي، بالفتـح، تَطْلُق طَلاقاً وطَلُقَتْ، الضم أَكثر؛ طَلاقاً وأَطْلَقَها بَعْلُها وطَلَّقها. قال الأَخفش: لا يقال طَلُقت، بالضم، ورجل مِطْلاق ومِطْلِـيق وطِلِّـيق وطُلَقه، علـى مثال هُمَزة: كثـير التَّطْلِـيق للنساء. وفـي حديث الـحسن: إِنك رجل طِلِّـيق أَي كثـير طَلاق النساء، والأَجْوَد أَن يقال مِطْلاق ومِطْلـيق؛ ومنه حديث علـيّ - رضي الله عنه -: إِن الـحسن مِطْلاق فَلا تَزوِّجُوه. وطَلَّق البلادَ: تركها[2].
شرعا: من التعاريف التي حد بها الطلاق والتي تدخلت في بعضها الخلافات الفقهية للمذاهب المختلفة:
· رفع الحل الذي به صارت المرأة محلا للنكاح إذا تم العدد ثلاثا، ويوجب زوال الملك باعتبار سقوط اليد عند انقضاء العدة في المدخول بها وانعدام العدة عند عدم الدخول والاعتياض عند الخلع[3].
· هو صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجبا تكررها مرتين للحر ومرة لذي رق حرمتها عليه قبل زوج[4].
· هو قول مخصوص أو ما في معناه من شخص مخصوص يرتفع به النكاح أو ينثلم، فقول: يخرج به ارتفاع النكاح بالموت والرضاع , ومخصوص: ليخرج به ارتفاعه باللعان ونحوه من الردة والإسلام وسائر الفسوخ القولية , أو ما في معناه: ليدخل به الطلاق بالكتابة والإشارة من الأخرس، ومن شخص مخصوص: هو الزوج أو وكيله. [5]
وعلاقة المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي هي كما يقول ابن منظور :(طَلاَقُ النساء لـمعنـيـين: أَحدهما حلّ عُقْدة النكاح، والآخر بمعنى التخلية والإِرْسال. ويقال للإِنسان إِذا عُتِقَ طَلِـيقٌ أَي صار حرّاً، وأَطْلَقَ الناقة من عِقَالها وطَلَّقَها فَطَلَقَت: هي بالفتـح، وناقة طَلْق وطُلُق: لا عِقال علـيها) [6]
حكم الطلاق:
الحكم الأصلي للطلاق:
اختلف الفقهاء في الحكم الأصلي للطلاق على قولين:
القول الأول: أن إيقاع الطلاق مباح وإن كان مبغضا في الأصل، وهو قول جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بما يلي:
· قوله تعالى :﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾(البقرة:236)، وقوله تعالى :﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾(الطلاق:1) وغيرها من آيات الطلاق، وكلها تقتضي إباحة إيقاع الطلاق.
· قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :(أبغض الحلال إلى الله الطلاق) [7]، وفي لفظ:(ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق)، وإنما يكون مبغضا من غير حاجة إليه , وقد سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - حلالا، فإن قيل بأن كون الطلاق مبغوضا مناف لكونه حلالا، لأن كونه مبغوضا يقتضي رجحان تركه على فعله، وكونه حلالا يقتضي مساواة تركه لفعله، وقد أجيب على ذلك بأن المراد بالحلال ما ليس تركه بلازم، وهو يشمل المباح والواجب والمندوب والمكروه، وقد يقال الطلاق حلال لذاته والأبغضية لما يترتب عليه من انجراره إلى المعصية[8].
· أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة، رضي الله عنها، حتى نزل عليه الوحي يأمره أن يراجعها، فإنها صوامة قوامة[9]، ولم يكن هناك كبر سن ولا ريبة.
· فعل الصحابة w، فإن عمر - رضي الله عنه - طلق أم عاصم رضي الله عنها وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - طلق تماضر رضي الله عنها، والمغيرة بن شعبة كان له أربع نسوة، فأقامهن بين يديه صفا، وقال:(أنتن حسان الأخلاق، ناعمات الأرداف، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، اذهبن فأنتن طلاق) [10]، وأن الحسن بن علي - رضي الله عنه - استكثر من النكاح والطلاق بالكوفة حتى قال علي - رضي الله عنه - على المنبر:(إن ابني هذا مطلاق فلا تزوجوه)، فقالوا:(إنا نزوجه ثم نزوجه) [11]
· أنه كما أن فيه معنى كفران النعمة من وجه، فإن فيه معنى إزالة الرق من وجه آخر، لأن النكاح نوع من الرق كما قال - صلى الله عليه وسلم - :(النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته) [12]. ولأجله صان الشرع القرابة القريبة عن هذا الرق حيث حرم نكاح الأمهات والبنات والأخوات[13].
· أن هذا إزالة الملك بطريق الإسقاط فيكون مباحا في الأصل كالإعتاق.
· أنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها , فيكون مكروها فقط لا حراما.
القول الثاني: أن إيقاع الطلاق محرم لا يباح إلا عند الضرورة، وقد ذكر هذا القول السرخسي[14] من غير إشارة إلى قائله، بينما ذكر ابن قدامة الإجماع على الجواز، قال في المغني:(أجمع الناس على جواز الطلاق , والعبرة دالة على جوازه , فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين , فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة , وضررا مجردا بإلزام الزوج النفقة والسكنى , وحبس المرأة , مع سوء العشرة , والخصومة الدائمة من غير فائدة , فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح , لتزول المفسدة الحاصلة منه) [15]، ولا يختلف ما ذكره ابن قدامة من الإجماع على ما ذكره السرخسي لأن الحكم الأصلي الذي يقصده السرخسي، هو الطلاق من غير حاجة إليه، وقد ذكر ابن قدامة في حكم هذا النوع من الزواج عن أحمد روايتين: إحداهما أنه محرم، والثانية, أنه مباح.
وقد ذكر العراقي أن هذا هو الحكم الأصلي للطلاق عند الحنفية، فقال عند بيان أن العدة بالحيض لا بالطهر: (وليس في ذلك تطويل عند الحنفية الذين يرون العدة بالحيض فإنهم يعتبرون ثلاث حيض كاملة، فالمعنى عندهم أن الأصل في الطلاق الحظر لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية , وإنما يباح للحاجة , والمعتبر دليلها , وهو الإقدام على الطلاق في زمن الرغبة) [16]
بل ذكر أن هذا هو الحكم الأصلي عند المالكية، ففي العناية :(قال مالك: الأصل في الطلاق هو الحظر والإباحة لحاجة الخلاص)[17] ومن الأدلة التي ذكروها لذلك:
· أنه ضرر بنفسه وزوجته , وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه , فكان حراما, كإتلاف المال، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - :(لا ضرر ولا ضرار) [18]
· أن فيه كفران النعمة فإن النكاح نعمة من الله تعالى على عباده، كما قال تعالى :﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الروم:21)، وكفران النعمة حرام.
· أنه رفع للنكاح المسنون فلا يحل إلا عند الضرورة.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى معنى قول الفقهاء (الحكم الأصلي للطلاق)، فإن أريد به الحكم العام للطلاق، والذي يتناول أكثر الناس، فإن الأرجح في هذا هو القول بالإباحة، لأن الناس عادة لا يطلقون إلا لسبب قد يعقل، وقد لا يعقل، أما التطليق لغير سبب، فقلما يحدث، وهو بذلك يعود إلى نوع من الأحكام العارضة التي سنذكرها.
أما إن أريد به الاقتصار على ذكره عند بيان حكم الطلاق، كأن يسأل شخص عن حكم الطلاق فيجاب بأنه حلال أو أنه أبغض الحلال، فإن الأرجح في هذا هو خطأ هذه الإجابة، بل قد يكون القول بالتحريم أرجح في هذه الحالة، لأن القول بالإباحة مطلقا قد يكون نوعا من التشجيع على الطلاق، فلهذا إما أن يذكر الحكم مفصلا بأنواعه المختلفة أو أن يسأل عن السبب الداعي للطلاق فيفتى على أساسه، لأن الكثير من العامة تغريه الإباحة، وقد يقع بواسطتها في المحظور.
وهذا لا يقتصر على الطلاق فقط، بل يتعداه لكثير من الأحكام الشرعية، فإن الأرجح فيها جميعا هو ذكر الأحكام العارضة باعتبارها الأصل، فالأحوال مختلفة، وتعميم الحكم قد يوقع في اللبس والخطأ.
الأحكام العارضة للطلاق:
نص أكثر الفقهاء على الأحكام العارضة للطلاق، وقد اختلفت المذاهب الفقهية في التعبير عنها، وسنذكر هنا بعض ما قالوا في ذلك، ونرجئ التفاصيل المتعلقة بالفروع إلى محلها من هذا الفصل أو غيره:
فقد نص الشافعية على أن الطلاق أربعة أقسام: حرام ومكروه وواجب ومندوب ولا يكون مباحا مستوى الطرفين[19]:
الطلاق الواجب: ويتحقق في صورتين وهما في الحكمتين إذا بعثهما القاضي عند الشقاق بين الزوجين ورأيا المصلحة في الطلاق وجب عليهما الطلاق، وفي المولى إذا مضت عليه أربعة أشهر وطالبت المرأة بحقها فامتنع من الفيئة والطلاق، فالأصح عند الشافعية أنه يجب على القاضي أن يطلق عليه طلقة رجعيه.
الطلاق المكروه: وذلك إذا كان الحال بينهما مستقيما، فيطلق بلا سبب وعليه يحمل حديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) [20]
الطلاق الحرام: وهو في ثلاث صور هي: في الحيض بلا عوض منها ولا سؤالها، والثاني في طهر جامعها فيه قبل بيان الحمل، والثالث إذا كان عنده زوجات يقسم لهن وطلق واحدة قبل أن يوفيها قسمها.
الطلاق المندوب: وهو عندما لا تكون المرأة عفيفة أو يخافا أو أحدهما أن لا يقيما حدود الله أو نحو ذلك.
ونص الحنابلة على أن الطلاق على خمسة أقسام[21]:
الطلاق الواجب: وهو طلاق المولي بعد التربص إذا أبى الفيئة , وطلاق الحكمين في الشقاق , إذا رأيا ذلك.
الطلاق المكروه: وهو الطلاق من غير حاجة إليه، وقال القاضي: فيه روايتان ; إحداهما: أنه محرم ; لأنه ضرر بنفسه وزوجته , وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه , فكان حراما , كإتلاف المال , والثانية , أنه مباح.
الطلاق المباح: وهو عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة , وسوء عشرتها , والتضرر بها من غير حصول الغرض بها.
الطلاق المندوب: وقد ذكروا له موضعين:
· عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها , مثل الصلاة ونحوها , ولا يمكنه إجبارها عليها , أو تكون له امرأة غير عفيفة، قال أحمد: لا ينبغي له إمساكها ; وذلك لأن فيه نقصا لدينه , ولا يأمن إفسادها لفراشه , وإلحاقها به ولدا ليس هو منه , ولا بأس بعضلها في هذه الحال , والتضييق عليها ; لتفتدي منه، قال ابن قدامة: ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب[22].
· الطلاق في حال الشقاق , وفي الحال التي تحوج المرأة إلى المخالعة لتزيل عنها الضرر.
الطلاق المحرم: وهو الطلاق في الحيض , أو في طهر جامعها فيه , قال ابن قدامة: (أجمع العلماء في جميع الأمصار وكل الأعصار على تحريمه , ويسمى طلاق البدعة ; لأن المطلق خالف السنة , وترك أمر الله تعالى ورسوله) [23]
ونكتفي بهذين المذهبين، فسائر الأقوال لا تكاد تخرج على ما ذكرا.
الحكمة من الطلاق
يتصور الكثير من محدودي النظر، الذين يعشون بأجسادهم في مستنقعات من الدناءة، وبعقولهم في عوالم من المثال، بأن تشريع الطلاق جريمة من الجرائم وإثم من أكبر الآثام.
وهذه النظرة ـ كالنظرة للتعدد أو الحجاب أو غيرها من أحكام الدين ـ نظرة لا علاقة لها بالواقع، لأن الدراسة المتمعنة للواقع وللفطرة البشرية لا بد أن تهدي إلى ضرورة إباحة الطلاق وتشريع القوانين التي تحفظه من التعسف، وتحفظ آثاره من الضياع.
أما الإسلام فإنه (يشرع لأناس يعيشون على الأرض، لهم خصائصهم، وطباعهم البشرية، لذا شرع لهم كيفية الخلاص من هذا العقد، إذا تعثر العيش، وضاقت السبل، وفشلت الوسائل للإصلاح، وهو في هذا واقعي كل الواقعية، ومنصف كل الإنصاف لكل من الرجل والمرأة.
فكثيراً ما يحدث بين الزوجين من الأسباب والدواعي، ما يجعل الطلاق ضرورة لازمة، ووسيلة متعينة لتحقيق الخير، والاستقرار العائلي والاجتماعي لكل منهما، فقد يتزوج الرجل والمرأة، ثم يتبين أن بينهما تبايناً في الأخلاق، وتنافراً في الطباع، فيرى كل من الزوجين نفسه غريباً عن الآخر، نافراً منه، وقد يطّلع أحدهما من صاحبه بعد الزواج على ما لا يحب، ولا يرضى من سلوك شخصي، أو عيب خفي، وقد يظهر أن المرأة عقيم لا يتحقق معها أسمى مقاصد الزواج، وهو لا يرغب التعدد، أولا يستطيعه، إلى غير ذلك من الأسباب والدواعي، التي لا تتوفر معها المحبة بين الزوجين ولا يتحقق معها التعاون على شؤون الحياة، والقيام بحقوق الزوجية كما أمر الله، فيكون الطلاق لذلك أمراً لا بد منه للخلاص من رابطة الزواج التي أصبحت لا تحقق المقصود منها، والتي لو ألزم الزوجان بالبقاء عليها، لأكلت الضغينة قلبيهما، ولكاد كل منهما لصاحبه، وسعى للخلاص منه بما يتهيأ له من وسائل، وقد يكون ذلك سبباً في انحراف كل منهما، ومنفذاً لكثير من الشرور والآثام.
لهذا شُرع الطلاق وسيلة للقضاء على تلك المفاسد، وللتخلص من تلك الشرور، وليستبدل كل منهما بزوجه زوجاً آخر، قد يجد معه ما افتقده مع الأول، فيتحقق قول الله تعالى:﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ (النساء:130)
وهذا هو الحل لتلك المشكلات المستحكمة المتفق مع منطق العقل والضرورة، وطبائع البشر وظروف الحياة)
وقد كان الغرب ـ وهو الذي يتصور إيمانه بالمسيحية وخضوعه للكنيسة ـ حياته متزمتا ملتزما بالزوجة الواحدة طول العمر، رافعا شعار المثالية، ولكن الفطرة سرعان ما أغارت عليه، ليعترف بالطلاق، ويقنن له، بل إن نسبة ارتفاع الطلاق فيه تفوق التصور.
ونحن نورد هنا لمن يتصورون أن لهم الحق في مناقشة الإسلام في تشريعه الطلاق ما قاله (بيتام) رجل القانون الإنجليزي، قال :(لو وضع مشروع قانوناً يحرم فض الشركات، ويمنع رفع ولاية الأوصياء، وعزل الوكلاء، ومفارقة الرفقاء، لصاح الناس أجمعون: أنه غاية الظلم، واعتقدوا صدوره من معتوه أو مجنون، فيا عجباً أن هذا الأمر الذي يخالف الفطرة، ويجافي الحكمة، وتأباه المصلحة، ولا يستقيم مع أصول التشريع، تقرره القوانين بمجرد التعاقد بين الزوجين في أكثر البلاد المتمدنة، وكأنها تحاول إبعاد الناس عن الزواج، فإن النهي عن الخروج من الشيء نهي عن الدخول فيه، وإذا كان وقوع النفرة واستحكام الشقاق والعداء، ليس بعيد الوقوع، فأيهما خير؟.. ربط الزوجين بحبل متين، لتأكل الضغينة قلوبهما، ويكيد كل منهما للآخر؟ أم حل ما بينهما من رباط، وتمكين كل منهما من بناء بيت جديد على دعائم قوية؟، أو ليس استبدال زوج بآخر، خيراً من ضم خليلة إلى زوجة مهملة أو عشيق إلى زوج بغيض) [24]
زيادة على هذا، فإن تشريعات الإسلام في هذا الجانب تحفظ الطلاق من استعماله في غير ما وضع له، وتحفظ كل ما قد ينجر عنه من آثار سلبية، ومن ذلك:
· أنه نفّر من الطلاق وبغضه إلى النفوس فقال - صلى الله عليه وسلم - :(يما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة)، وحذر من التهاون بشأنه فقال - صلى الله عليه وسلم - :(ما بال أحدكم يلعب بحدود الله، يقول: قد طلقت، قد راجعت)
· أنه اعتبر الطلاق آخر العلاج، بحيث لا يصار إليه إلا عند تفاقم الأمر، واشتداد الداء، وحين لا يجدي علاج سواه، وأرشد إلى اتخاذ الكثير من الوسائل قبل أن يصار إليه، فرغب الزوج في الصبر والتحمل على الزوجات، وإن كانوا يكرهون منهن بعض الأمور، إبقاء للحياة الزوجية، قال تعالى:﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرا ﴾(النساء: من الآية19)
· أنه أرشد الزوج إذا لاحظ من زوجته نشوزاً إلى ما يعالجها به من التأديب المتدرج: الوعظ ثم الهجر، ثم الضرب غير المبرح، قال تعالى:﴿) وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾(النساء: من الآية34)
· أنه شرع التحكيم بينهما، إذا عجزا عن إصلاح ما بينهما، بوسائلهما الخاص.
· أنه أرشد الزوجة إذا ما أحست فتوراً في العلاقة الزوجية، وميل زوجها إليها إلى ما تحفظ به هذه العلاقة، ويكون له الأثر الحسن في عودة النفوس إلى صفائها، بأن تتنازل عن بعض حقوقها الزوجية، أو المالية، ترغيباً له بها وإصلاحاً لما بينهما.
· أن الطلاق كما يكون لصالح الزوج، فإنه أيضاً يكون لصالح الزوجة في كثير من الأمور، فقد تكون هي الطالبة للطلاق، الراغبة فيه، فلا يقف الإسلام في وجه رغبتها وفي هذا رفع لشأنها، وتقدير لها، لا استهانة بقدرها، كما يدّعي المدّعون، وإنما الاستهانة بقدرها، بإغفال رغبتها، وإجبارها على الارتباط برباط تكرهه وتتأذى منه.
· أنه أثبت للأم حضانة أولادها الصغار، ولقريباتها من بعدها، حتى يكبروا، وأوجب على الأب نفقة أولاده، وأجور حضانتهم ورضاعتهم، ولو كانت الأم هي التي تقوم بذلك.
1Comments
ممتاز ولكن هولاء يؤمنون بالنصرانية وليس بالمسيحية